نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
78
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
الفارسي في سفر مع أناس وفيهم عمر رضي اللّه تعالى عنه فنزلوا منزلا فضربوا خيامهم وصنعوا طعامهم ونام سلمان ، فقال بعض القوم ما يريد هذا العبد إلا أن يجيء إلى خيام مضروبة وطعام مصنوع ؟ ثم قالوا بعد ذلك لسلمان انطلق إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فالتمس لنا إداما نأتدم به ، فأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخبرهم أنهم قد ائتدموا ، فأخبرهم بذلك فقالوا ما طعمنا بعد ، وما كذب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليكم فأتوه ؟ فقال لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : قد ائتدمتم من صاحبكم حين قلتم ما قلتم وهو نائم ثم قرأ عليهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ يعني معصية . قال سفيان : الظن ظنان : ظن فيه إثم وظن ليس فيه إثم ، فأما الظن الذي فيه إثم فالذي يتكلم به وأما الظن الذي ليس فيه إثم فما يضمره ولا يتكلم به وَلا تَجَسَّسُوا يقول ولا تطلبوا عيب أخيكم وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ يعني كما تكرهون أكل لحم أخيكم ميتا فكذلك اجتنبوا ذكره بالسوء غائبا . وروي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما في هذا الآية وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً قال : نزلت في رجلين من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ضم مع كل رجلين غنيين في السفر رجلا من أصحابه قليل الشيء ليصيب معهما من طعامهما ويتقدمهما في المنازل ويهيىء لهما المنزل وما يصلح لهما وقد كان ضم سلمان إلى رجلين ، فنزل منزلا من المنازل ذات يوم ولم يهيىء لهما شيئا فقالا له اذهب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسل لنا فضل إدام ؟ فانطلق فقال أحدهما لصاحبه حين غاب عنهما إنه لو انته إلى بئر كذا لقلّ الماء ، فلما انته إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبلغه الرسالة قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : قل لهما قد أكلتما الإدام ، فأتاهما فأخبرهما فأتياه فقالا ما أكلنا من إدام ؟ فقال إني لأرى حمرة اللحم في أفواهكما ، فقالا لم يكن عندنا شيء وما أكلنا لحما اليوم ، فقال لهما إنكما اغتبتما أخاكما ، ثم قال لهما أتحبان أن تأكلا لحما ميتا ؟ فقالا : لا ، فقال لهما فكما كرهتما أن تأكلا لحما ميتا فلا تغتابا فإنه من اغتاب أخاه فقد أكل لحمه فنزلت وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً » . وروي عن الحسن البصري أن رجلا قال : إن فلانا قد اغتابك فبعث إليه طبقا من الرطب وقال بلغني أنك أهديت إليّ حسناتك فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك بها على التمام . وذكر عن إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى أنه أضاف أناسا فلما قعدوا على الطعام جعلوا يتناولون رجلا . قال إبراهيم : إن الذين كانوا قبلنا كانوا يأكلون الخبز قبل اللحم وأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز . وذكر عن أبي أمامة الباهلي رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : إن العبد ليعطى كتابه يوم القيامة فيرى فيه حسنات لم يكن عملها ، فيقول يا رب من أين لي هذا ؟ فيقول هذا بما اغتابك الناس وأنت لا تشعر . وذكر عن إبراهيم بن أدهم أنه قال : يا مكذب بخلت بدنياك على أصدقائك وسخوت بآخرتك على أعدائك فلا أنت فيما بخلت به معذور ولا أنت فيما سخوت به محمود . وذكر عن بعض الحكماء أنه قال : الغيبة فاكهة القراء وضيافة الفساق ومراتع النساء وإدام كلاب الناس ومزابل الأتقياء .